أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
650
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمّا قوله أخيرا « إنّ يستطيع بمعنى يطيق » فإنما يظهر كلّ الظهور على رأي الزمخشري من كونهم ليسوا بمؤمنين . وأما على قراءة الكسائي فقالوا : هي في محلّ نصب على المفعولية بالسؤال المقدّر أي : هل تستطيع أنت أن تسأل ربّك الإنزال ، فيكون المصدر المقدر مضافا لمفعوله الأول وهو « رَبُّكَ » فلمّا حذف المصدر انتصب . وفيه نظر من أنهم أعملوا المصدر مضمرا ، وهو لا يجوز عند البصريين ، يؤوّلون ما ورد ظاهره ذلك . ويجوز أن يكون « أَنْ يُنَزِّلَ » بدلا من « رَبُّكَ » بدل اشتمال ، والتقدير : هل تستطيع أي : هل تطيق إنزال اللّه تعالى مائدة بسبب دعائك ؟ وهو وجه حسن . و مائِدَةً مفعول يُنَزِّلَ ، والمائدة : الخوان عليه طعام ، فإن لم يكن عليه طعام فليست بمائدة ، هذا هو المشهور ، إلا أن الراغب قال : « والمائدة : الطبق الذي عليه طعام ، ويقال لكل واحد منها مائدة » وهو مخالف لما عليه المعظم ، وهذه المسألة لها نظائر في اللغة ، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه طعام وإلا فهو خوان ، ولا يقال كأس إلا وفيها خمر وإلا فهي قدح ، ولا يقال ذنوب وسجل إلا وفيه ماء ، وإلا فهو دلو ، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوع وإلا فهو إهاب ، ولا قلم إلا وهو مبريّ وإلا فهو أنبوب . واختلف اللغويون في اشتقاقها فقال الزجاج : « هي من ماد يميد إذ تحرك ، ومنه قوله : رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ « 1 » ومنه : ميد البحر » وهو ما يصيب راكبه ، فكأنها تميد بما عليها من الطعام ، قال : « وهي فاعلة على الأصل » . وقال أبو عبيد : « هي فاعلة بمعنى مفعولة مشتقة من مادة بمعنى أعطاه ، وامتاده بمعنى استعطاه فهي بمعنى مفعولة » قال : « كعيشة راضية » وأصلها أنها ميد بها صاحبها أي : أعطيها ، والعرب تقول : مادني فلان يميدني إذا أحسن إليّ وأعطاني » وقال أبو بكر بن الأنباري : « سمّيت مائدة لأنها غياث وعطاء ، من قول العرب : ماد فلان فلانا إذا أحسن إليه ، وأنشد : 1854 - إلى أمير المؤمنين الممتاد * . . . « 2 » أي : المحسن لرعيّته ، وهي فاعلة من الميد بمعنى معطية فهو قريب من قول أبي عبيد في الاشتقاق ، إلا أنّها عنده بمنى فاعلة على بابها . وابن قتيبة وافق أبا عبيد في كونها بمعنى مفعولة ، قال : « لأنها يماد بها الآكلون أي يعطونها » . وقيل : هي من الميد وهو الميل ، وهذا هو معنى قول الزجاج . قوله : « مِنَ السَّماءِ » يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله ، وأن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « مائِدَةً » أي : مائدة كائنة من السماء أي : نازلة منها . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 114 إلى 116 ] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 116 )
--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 31 ) . ( 2 ) البيت لرؤبة انظر ديوانه ( 40 ) .